سيد قطب
2836
في ظلال القرآن
القادرة وتدبيره اللطيف ، ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير . ومع أنه كان يقص القصة على الذين عاشوها ، وشهدوا أحداثها ، فإنه كان يزيدهم بها خبرا ، ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه وهم أصحابها وأبطالها ! ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر ؛ ويكشف للنور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور . ذلك إلى جمال التصوير ، وقوته ، وحرارته ، مع التهكم القاصم ، والتصوير الساخر للجبن والخوف والنفاق والتواء الطباع ! ومع الجلال الرائع والتصوير الموحي للإيمان والشجاعة والصبر والثقة في نفوس المؤمنين . إن النص القرآني معد للعمل - لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب . ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك وفي كل تاريخ . معد للعمل في النفس البشرية إطلاقا كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة ، والبيئات المنوعة . بنفس القوة التي عمل بها في الجماعة الأولى . ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة . هنا تنفتح النصوص عن رصيدها المذخور ، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة . وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات . وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها . تنتفض خلائق حية ، موحية ، دافعة ، دافقة ، تعمل في واقع الحياة ، وتدفع بها إلى حركة حقيقية ، في عالم الواقع وعالم الضمير . إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة . . وكفى . . إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة ؛ وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث ! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة ، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب ، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب ! وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات ؛ ثم يقف الموقف ، أو يواجه الحادث ، فإذا النص القرآني جديد ، يوحي إليه بما لم يوح من قبط قط ، ويجيب على السؤال الحائر ، ويفتي في المشكلة المعقدة ، ويكشف الطريق الخافي ، ويرسم الاتجاه القاصد ، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه ، وإلى الاطمئنان العميق . وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث . يبدأ السياق القرآني الحديث عن حادث الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعمة اللّه عليهم أن رد عنهم الجيش الذي همّ أن يستأصلهم ، لولا عون اللّه وتدبيره اللطيف . ومن ثم يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث ، وبدؤه ونهايته ، قبل تفصيله وعرض مواقفه . لتبرز نعمة اللّه التي يذكرهم بها ، ويطلب إليهم أن يتذكروها ؛ وليظهر أن اللّه الذي يأمر المؤمنين باتباع وحيه ، والتوكل عليه وحده ، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين ، هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه ، من عدوان الكافرين والمنافقين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً » . . وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها ، والعناصر الحاسمة فيها . . مجيء جنود الأعداء . وإرسال ريح اللّه وجنوده التي لم يرها المؤمنون . ونصر اللّه المرتبط بعلم اللّه بهم ، وبصره بعملهم .